ابن كثير
355
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الأحزاب فقال « اللهم منزل الكتاب سريع الحساب ، اهزم الأحزاب ، اللهم اهزمهم وزلزلهم » « 1 » . وفي قوله عز وجل وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبين قريش ، وهكذا وقع بعدها لم يغزهم المشركون بل غزاهم المسلمون في بلادهم . قال محمد بن إسحاق ، لما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما بلغنا « لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا ، ولكنكم تغزونهم » فلم تغز قريش بعد ذلك ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو يغزوهم بعد ذلك حتى فتح اللّه تعالى مكة ، وهذا الحديث الذي ذكره محمد بن إسحاق حديث صحيح ، كما قال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا يحيى عن سفيان ، حدثني أبو إسحاق قال : سمعت سليمان بن صرد رضي اللّه عنه يقول : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم الأحزاب « الآن نغزوهم ولا يغزوننا » وهكذا رواه البخاري « 3 » في صحيحه من حديث الثوري ، وإسرائيل عن أبي إسحاق به . وقوله تعالى : وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً أي بحوله وقوته ردهم خائبين لم ينالوا خيرا ، وأعز اللّه الإسلام وأهله ، وصدق وعده ونصر رسوله وعبده ، فله الحمد والمنة . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 26 إلى 27 ] وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً ( 26 ) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ( 27 ) قد تقدم أن بني قريظة لما قدمت جنود الأحزاب ونزلوا على المدينة ، نقضوا ما كان بينهم وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من العهد ، وكان ذلك بسفارة حيي بن أخطب النضري لعنه اللّه ، دخل حصنهم ولم يزل بسيدهم كعب بن أسد حتى نقض العهد ، وقال له فيما قال : ويحك قد جئتك بعز الدهر ، أتيتك بقريش وأحابيشها ، وغطفان وأتباعها ، ولا يزالون هاهنا حتى يستأصلون محمدا وأصحابه ، فقال له كعب : بل واللّه أتيتني بذل الدهر ، ويحك يا حيي إنك مشؤوم ، فدعنا منك ، فلم يزل يفتل في الذروة والغارب حتى أجابه ، واشترط له حيي إن ذهب الأحزاب ولم يكن من أمرهم شيء أن يدخل معهم في الحصن ، فيكون له أسوتهم ، فلما نقضت قريظة ، وبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ساءه وشق عليه وعلى المسلمين جدا . فلما أيده اللّه تعالى ونصره وكبت الأعداء وردهم خائبين بأخسر صفقة ، ورجع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة مؤيدا منصورا ، ووضع الناس السلاح ، فبينما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يغتسل
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجهاد باب 98 ، 112 ، والمغازي باب 29 ، ومسلم في الجهاد حديث 20 . ( 2 ) المسند 4 / 262 . ( 3 ) كتاب المغازي باب 29 .